سأحاول الابتعاد عن مقدمات الكليشيه. لن أبتدأ مثلاً بقول: هذه ليست أسطورتي الشخصية ولا حكايتي . أو ما ستقرأونه في هذه السلسة التدوينية ، هو تأريخ شخصي ومحاولة لاصطياد ما تبقى في بحيرة الذاكرة . ربما سأجرّب شيئا علي شاكلة .. هذه الحكاية تتناول أشخاصاً حقيقيين ويمكن أن أتورط حين يعرفون أني أفضح أسرارهم ثم أردفها بملاحظة .. لست إلا هامشاً تحت سطور الحدث.
لا يهم !
كليشيه أو غيره ، بالكتابة هنا سأوفر ما أدفعه مقابل مواعيدي مع الدكتورة ماري ، والتي لا تفعل شيئا أكثر من الاستماع لترهاتي أو ترهات من يسكن هذا الجسد. أتذمر حين تقدم النصائح لي بغباء. بهذا المبلغ سأضمن رحلة من وإلى أمستردام كل شهرين .
هذه السلسلة مضرة بالصحة العقلية والنفسية وقد يمتد الأمر حتى الجسدية ، لذا يفضل أن تترك المكان فوراً كلما شعرت بكثافة ضبابية تتسلى إلى عقلك أو قلبك . اقرأ على نفسك بعض تمائم جدتك كلما أوجست خيفة. ويفضل أن تجلس نظيف الأمعاء أيضاً . شروط مرهقة ؟ ها ؟ ربما .. يمكنك أن تتخيل إذاً كيف هو مزعج العيش معي ..
سؤال مفتوح .. لمَ لا نتعرّى ؟
لم أصلنا على هذه الأرض بدأ دون لباس يستر ما هو معروف اليوم بالعورة ؟ سؤال وجودي أبله لكنه يستحق وقفات علماء الأنثروبولوجي والسلوك. لا .. لا يستحق .. ولا يحزنون . كل ما في الأمر أننا وجدنا على هذه الأرض أنقياء، ثم تعلمنا هفوات الدنس. تطور اللباس ليكون وسيلة – أرفضها- في سِتْر عُرينا الجميل .
ولأننا بشر نخشى الحقيقة ، فأقنعتنا اليومية تقوم بالجزء الأهم من الستر المرغوب فيه. قليلون منّا الذين يحبون الحقيقة ويفنون حياتهم في سبيلها .
الكتابة هي حق التخلّص من الأقنعة، وفن التخفف من الابتسامات المصطنعة والطعنات الموجعة . الكتابة هي طريقتي الشخصية لأقول لأمريكا والأعراق والأسر الحاكمة : تفو عليكم يا زبالة .
بالرغم من ذلك، من المزعج والمقرف جدا أن يمارس الجميع الكتابة بهذا الشكل المتهور والفج. أصبحَت مثل هواية جمع العملات ورعاية الأغنام. كما يبدو أنها إحدى النبؤات في طور التحقق. ننسى غالباً أن الكتابة فعل مسؤول ، يحدث وقعا كالانهيار الصخري ، وتتطلب جلداً ومجالدة . هي ليست مجرد حروف تُرسل في نوافذ الكترونية تموت روحها بعد عدة دقاىق .
من أجل ذلك وأكثر ، قررتُ التعرّي والقبض على الحقيقة. لكن أي حقيقة ؟ هذا سؤال ممتدٌ في الأبد ، متلوّنٌ كالحرباء .
إن الوقت الذي أبذله أمام المرآة لأتحسس أجزاء جسدي لا ينبّأ بخير. فشلي في محاولات التخلص من عتَمِ الذاكرة ، لا ينبّأ بخير أيضاً . المكوث أمام هذا الرماد الذي ينام في رأسي يتطلب جهدا ووقتا كبيرين ، ولا أعلم من أين أبدأ ؟ آه من بدايات ملعونة .
تحكي البلدة أن أمي وضعتني وهي تُلهب التنّور ليلة زفاف أختها الصغرى . جئتُ واحترق الخبز ! لا.. لن أبدأ من هنا .. فليلة احتراق الخبز كانت مثيرة جدا وتتطلب بعض الجسارة لأتحدث عنها.
محاولة سرْد حكاية ولو كانت خرافية ليست بالأمر السهل. تزداد المهمة صعوبة حين يكون الأمر واقعاً . حتى وان كنت مجرد قطعة أثاث صغيرة في دائرة المشهد ، يجب أن تكون خلاّقاً وفوضوياً في ذات الوقت. ربما يهمكم أن تدركوا أن السيناريو مختلّ جداً ومفتوح لانتهاك الكثير من قواعد الأنساق الكتابية المتداولة.
دعوني أعود للباص .
كنت قد صعدت إلى الباص ، واستهواني صوت العجوز الصلصالي .
وضع يده على فخذي ، فارتعدت. زادته ردة فعلي اصراراً حتى أحكم كفه الضخمة على ليونة فخذي . أمسكتُ بمعصمه وحاولت دفعه . نظرت في عينيه بحثاً عن خبثٍ ما ، فما وجدت سوى انكسار. أعرف هذا الانكسار جيّداً ، انكسار مخنّث في أعوامه الستين. لا يصفه شيء كمرادفات الذل والهوان . كم جبلاً من العار كان عليه أن يتجاوز قبل أن يسير عكس كينونته؟ يريد أن يقول أنه أحد ضحايا جيله ، أعرف مثله الكثير .
أبو معلي الذي ينام في طرف الحي مثال حي على هذا الانكسار اللوطي. كان يتناوب شيبان الحي على إتيانه حتى هلكوا هم وما هلك. منذ تسع سنوات وهو ينام على سرير في العراء . يكفّن نفسه بلحافه بانتظار الموت.
لويت يد المخنّث ونزلتُ من الباص نحو هافانا.
ألقيتُ التحية على حامد صاحب المقهى . ضابط متقاعد ورجل أعمالٍ حالي ، شنب مفتول وعقل يتّقد شعراً ونيكوتين . كلما شعرتُ بالضجر ، تسامرنا مساجلة على ضفة قهوة أو شطرنج. من هنا ، من هافانا .. بدأت الرحلة ، وبدأت معها حرية نشدتها منذ زمن. كانت كالمخدر الذي أدمنته منذ التجربة الأولى . لهذا الإدمان قلب الدجال ، أعور لكنه يعد بأشياء جميلة ، يفتح ويغلق لك كل الأبواب ، حتى تصبح مشنوقاً إلى ذاتك كذيل العقرب .
فرق العشرون عام بيننا ، لم تمنع أن نكوّن صداقة إطارها الشِعر والكأس والنساء . كانت صفقة يبدو أن إبليس رتّب لها جيّداً .
في هذه الزنزانة الكبيرة ، حياة تجري تحت السطح ، لا يحياها إلا كائنات من الليل ، رجال تعثًروا برف أو امرأة ، ونساء من عشب الجنة. لا مكان للدين أو العُرْف هنا إلا ما ندر .الصخب يُقام بجانب المآذن ولا تزين المواعيد إلا والرب في سمائنا يفتح يديه للهاربين من وسخهم.
كنت مأخوذاً بفخ التجربة الأولى ، وبداخلي سيل شتائم وسؤال لئيم : لم لا نجيد الحياة بوجه واحد ؟ لم نتطبّع بطبع المحيطات ؟
خامرتني دهشتان ! دهشة أني صاعد في حب ، ودهشة هذا العالم الأحمر. كان قلبي ينبض برقة. أكاد أشعر بخفة قلبي كخفة وشاح ينام على كتف الصبية . بشر ليسوا عاديين وقلوب شاغرة .. الكثير منها في الواقع ..
Like this:
Be the first to like this post.