ضمير أبله حكمت

روحي متدلّيةٌ من فم السيفون وظهري يؤلمني بشدة ، استعرتُ جزءا صغيراً منها كي أساعدني في تحريك هذا الجسد الذي لم يمت وليته مات. لم أنسى حقيبتي الفاغرة فاها ، ألقمتها علبة مكياجي الصغيرة وبقايا سوائل غريبةٍ عليها ، وضعتُ أيضاً زجاجة عطري وتركتُ غطائها غارقاً في البالوعة ومناديل مخضّبة بأحمر قليل .

خرجتُ وأنا لا أجدني ، بالتأكيد أن الأمور غير طبيعية حين تمضي أربع ساعات غائباً عن الوعي في حمّامٍ مطار دولي. كان قد دعاني للزواج منه قبل أكثر من ستة أشهر. ثلاثيني ، مجهول السيرة ، حنون الملامح تواجه شقته شقتي، تسكن معه امرأة أظنها أخته. تجاهلتُ طلبه بدعوى دراستي ولأنه لم يكن الإنسان | الحلم . كنت أفكر في الارتباط بذلك الذي يدور في خلْد المراهقات ، فارس عريض الصدر ، مجعّدة عظلات بطنه ، شواربه مفتولة وعيناه تقتلني ، ساعده سلّم الله حين يحملني خلف ظهره ويطير بي نحو السماء. كنت أمازح رفيقاتي حول هذه الصورة النمطية لهذا الفارس الذي لا يأتي أبداً ، كانت ترى نهاد أن المرأة لا يكتمل نضجها إلا بحب قادر على إبراز شخصيتها الحقيقية ، لأنها مائية بطبيعتها ولا أدري إن كنت أوافقها أو لا !

اليوم لا أحد هنا ، كنا نجتمع مساء كل سبت في أمسية محتدمة وحديث سمْر لا ينتهي، خمسة أصابعٍ تنتمي لكفٍ واحدة تمسح ذات الوجه وتؤدي ذات البطْش ، خمس مغتربات عجنتهنّ الحياة. كانت مروة تموسق ليالينا بقيثارة علّمها العزف عليها الستيني صاحب الكشك الصغير . وفاء اليوم أصبحت معنية بشؤون التوأم وزوجها وتوقفت عن فكرة إصدار روايتها التي اختنقت في درجها ، حنان ماتت ومات معها جزءٌ مِنّا بعد صراعٍ مضنٍ مع اللوكيميا. يا إلهي ساعدني ، ذاكرتي مشوّشة وألم بين فخذي يتضاعف. رتّبت حجابها بطريقةٍ أوحت للزوجيْن الجالسينْ على كراسي الإنتظار أن ثمّة خطبٌ ما .

– كتب لها : “أنتِ لي يا طفلة الحب”

ولّى زمن المغريات. ومن يسمعك كلاماً معسولاً ، يطعمك بملعقة فارغة كما تقول فيلسوفتنا نهاد. لم أستجب له لأني كنت منشغلة بالعمل والسفر مع أهلي دوما. كان يداعبني مطلع كل شمس برسالة لا تزيد عن خمسة أسطر وأختمها أنا بابتسامة متورّدة أو هكذا هو كان يقول. يا الله كم أصبحت مقيّدة به! لو أن لهذا القلب جهاز إنذار يوحي بالخطر حين نفكر في التورط بشخص ما لسلمنا الكثير من الألم كما تقول فيلسوفتنا. أنا سأفكر في اختراعه يوما ما ! وبالرغم من ذلك جميلٌ أحيانا أن تمنحك الحياة شخص ما يستطيع أن يؤدي دور أوكسجينك و غذاء خلاياك ، كان مع كل رسالةٍ له يبني فيّ حلماً .

تحامَلتُ على ذكرى موسيقى ” ليلة هروب فاطمة ” التي كان يُسمعني إياها دوما ويعلّمني كيف أقرأ نوتتها ، ذات الموسيقى كان المطار يضجّ بها حين كنتُ تحته في تلك الساعة المشئومة. تسلّل لحمامات النساء بدعوى أنه نسي أمرا مهما قبل إقلاع رحلتي بقليل. تحدّثتُ بعد أن نجح الأخصائي باستخدام تقنية خط الزمن  في كسر خرسي الأبدي :.. معتوه .. اغتصاب .. قيء  .. هو شيزوفريني .. موت .. أربعة في واحد يعيشون ..

الآن أنا هنا أرتب أوراق الخريف وأبحث عن تسلل خارج هذه الغرفة البيضاء. معطوفة على ذاتي كذيل عقرب ، وذات السؤال الغبي يحك رأسي ، هل الحب أن يغتصبك مضطرب نفسيا !؟ وترد الممرضة التي لا تنسى موعد مهدّئي : لا طبعا .

رد واحد to “ضمير أبله حكمت”

  1. شيءُ ما Says:

    قرأت هذا الضمير اكثر من مرة , وفي كل مرة أتسأل لمَ يصنع لنا القدر يداً قاتلة
    دوماً لاعاشقة ؟
    ولكن أعود وأتسأل مرةٌ ثانية أيضاً لمَ لا تُغامر بأوراق نتحسسها على رفوفنا يا صديق ؟,

    كنت هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s