Archive for the ‘شريان أبهر’ Category

استهلال

01/02/2012

العزلة عن هذا الضجبج ، أنضج للعقل وأنور للروح . كل تافه فجأة أصبح حاذقاّ في كل الأمور، وصارت أغلب الوجوه التي تعرف ولا تعرف تلبس أقنعة التملق والتذاكي!  كما يبدو أنني أعاصر الكثير من الرويبضات ، أو هكذا يقول لي الترمومتر الناقم في رأسي.

أنظر للعالم الكبير ، وأشعر بشعور غريب حين أرى الكثير من البشر قد لهوا عن المد العمودي، يبدو أنهم اكتفوا بالدوران حول أنفسهم في صفقات متتالية يرتب لها ابليس جيداّ . لم يعد العالم كما مضى ، صبي جميل يسير ناحية صومعة جده في الجبل.

كأني غفوت وصحوت فجأة في عالم محكوم بالحروب والمصالح الشخصية. نصف مال العالم يملكه أقلية ، ونصف العالم يرزح تحت الفقر ، الخذلان في كل مكان ، وعجلة الأيام صارت تحسب بعقارب الساعة.  ثورات لها جلود الحرباء ، ودسائس من كل الأنواع . اللعنة ! من يحرك الشطرنج بكل هذا الخبث والمهارة ؟ ” وفوق كل ذي علم عليم ” أقدار تسير بنا منذ كنا في الأرحام ، ونحن الاختيار عبثا / يقينا .

اخترت اسم الله كوشم أزرق على جدران قلبي ، واخترت البصق على العالم ! لا يمكن أن أنتمي إلا لمكانٍ أجمل ، لو أنني أذهب من هنا ، لسرمدية خضراء ، لحضن الصبية ، ونور عربي ألقاه الرب على مصطفاه ، لو أبتهل ، لو أغفو ، لو أصبح أجمل ، أقل حديثا .. أكثر تأملاّ .. لما رغبت في المزيد ، لنمت وأنا أعلق أمنياتي في كف الإله ، لن تضيع . لن ألهو .

من قلب بيتي الصغير

21/12/2011


إنه ديسمبر ، الوقت ذاته من العام الذي أحب فيه البيت أكثر من أي وقت آخر .

ديسمبر هذا العام مختلف تماماً، فرفيقتي أصبحت تشاركني الحياة عن قرب. متحمّس لبناء رجلنا الثلجي الأول بعد أن أرهقنا الأماني ببناءه في مخيلتنا. لا يزال يتحتم علي بذل المزيد من الوقت عند ضوء المكتب استعداداً لالتزامات قادمة على أية حال . أمر آخر ..  يسعدني ويتعسني عداد الزوار في صعوده. يسعدني بأن هناك من ينتظرون ما سأكتب بحميمية ويتعسني لأني لا أستحق هذه التطلعات.  مقل جداً ولا عذر لي ، ربما ما اكتشفته مؤخراً غريب ولكنه يستحق الذكر . يقول أحد أصدقائي حين أقرأ لك أعلم أنك متواجد في البلد أو أنك حجزت رحلتك وستكون موجودا ً في ظرف أيام معدودة . صديقي يقول الصواب لحد ما ، لاحظت أني لا أستهوي الكتابة إلا حينما أكون داخل نطاقنا الجغرافي المجيد . علي أن أعمل على ترك هذه العادة السيئة أيضاً . بالمناسبة تركت التدخين بعد أربع سنوات من القرف الخالص . أمر آخر يجعلني أشعر بالزهو ويمكن أن يساعدك أيضاً في تحديد عاداتك السيئة والتخلص منها مع بداية السنة الميلادية . في كل يوم أتعلم أشياء جديدة عن الله والانسان والحياة ، وسأكون سعيدا لو استطعت مشاركتها معكم .

عام جديد سأحرص فيه ألا ألتفت كثيراّ لبؤس العالم ووسخ الساسة ونذالة الرأسماليين . سأضع رأسي بين راحتي ولن أفكر كثيراً في مزاج الأسر الحاكمة وملكة بيريطانيا بالتحديد وكيف تقضي مساء الأحد. عام جديد سأركز فيه على ما أريد. سأقضي وقتاّ أكبر ناحية الجوهر الذي وجدنا كلنا من أجله . ناحية الحقيقة التي لا تتماهى مع رواسبنا الفكرية ، تواقا للحقيقة الواحدة . عام أجمل سأتخلص فيه من الكثير من أنانيتي وسأحرص على أن أقرأ أكثر .. أحب أكثر .. أتواجد هنا أكثر من أجلكم ، ومن أجلي قبل أي شيء . 

حتى أراكم في الثاني والعشرين من يناير . احتفلوا بالثلج والرب والقلب .

ضمير أبله حكمت

30/05/2011

روحي متدلّيةٌ من فم السيفون وظهري يؤلمني بشدة ، استعرتُ جزءا صغيراً منها كي أساعدني في تحريك هذا الجسد الذي لم يمت وليته مات. لم أنسى حقيبتي الفاغرة فاها ، ألقمتها علبة مكياجي الصغيرة وبقايا سوائل غريبةٍ عليها ، وضعتُ أيضاً زجاجة عطري وتركتُ غطائها غارقاً في البالوعة ومناديل مخضّبة بأحمر قليل .

خرجتُ وأنا لا أجدني ، بالتأكيد أن الأمور غير طبيعية حين تمضي أربع ساعات غائباً عن الوعي في حمّامٍ مطار دولي. كان قد دعاني للزواج منه قبل أكثر من ستة أشهر. ثلاثيني ، مجهول السيرة ، حنون الملامح تواجه شقته شقتي، تسكن معه امرأة أظنها أخته. تجاهلتُ طلبه بدعوى دراستي ولأنه لم يكن الإنسان | الحلم . كنت أفكر في الارتباط بذلك الذي يدور في خلْد المراهقات ، فارس عريض الصدر ، مجعّدة عظلات بطنه ، شواربه مفتولة وعيناه تقتلني ، ساعده سلّم الله حين يحملني خلف ظهره ويطير بي نحو السماء. كنت أمازح رفيقاتي حول هذه الصورة النمطية لهذا الفارس الذي لا يأتي أبداً ، كانت ترى نهاد أن المرأة لا يكتمل نضجها إلا بحب قادر على إبراز شخصيتها الحقيقية ، لأنها مائية بطبيعتها ولا أدري إن كنت أوافقها أو لا !

اليوم لا أحد هنا ، كنا نجتمع مساء كل سبت في أمسية محتدمة وحديث سمْر لا ينتهي، خمسة أصابعٍ تنتمي لكفٍ واحدة تمسح ذات الوجه وتؤدي ذات البطْش ، خمس مغتربات عجنتهنّ الحياة. كانت مروة تموسق ليالينا بقيثارة علّمها العزف عليها الستيني صاحب الكشك الصغير . وفاء اليوم أصبحت معنية بشؤون التوأم وزوجها وتوقفت عن فكرة إصدار روايتها التي اختنقت في درجها ، حنان ماتت ومات معها جزءٌ مِنّا بعد صراعٍ مضنٍ مع اللوكيميا. يا إلهي ساعدني ، ذاكرتي مشوّشة وألم بين فخذي يتضاعف. رتّبت حجابها بطريقةٍ أوحت للزوجيْن الجالسينْ على كراسي الإنتظار أن ثمّة خطبٌ ما .

– كتب لها : “أنتِ لي يا طفلة الحب”

ولّى زمن المغريات. ومن يسمعك كلاماً معسولاً ، يطعمك بملعقة فارغة كما تقول فيلسوفتنا نهاد. لم أستجب له لأني كنت منشغلة بالعمل والسفر مع أهلي دوما. كان يداعبني مطلع كل شمس برسالة لا تزيد عن خمسة أسطر وأختمها أنا بابتسامة متورّدة أو هكذا هو كان يقول. يا الله كم أصبحت مقيّدة به! لو أن لهذا القلب جهاز إنذار يوحي بالخطر حين نفكر في التورط بشخص ما لسلمنا الكثير من الألم كما تقول فيلسوفتنا. أنا سأفكر في اختراعه يوما ما ! وبالرغم من ذلك جميلٌ أحيانا أن تمنحك الحياة شخص ما يستطيع أن يؤدي دور أوكسجينك و غذاء خلاياك ، كان مع كل رسالةٍ له يبني فيّ حلماً .

تحامَلتُ على ذكرى موسيقى ” ليلة هروب فاطمة ” التي كان يُسمعني إياها دوما ويعلّمني كيف أقرأ نوتتها ، ذات الموسيقى كان المطار يضجّ بها حين كنتُ تحته في تلك الساعة المشئومة. تسلّل لحمامات النساء بدعوى أنه نسي أمرا مهما قبل إقلاع رحلتي بقليل. تحدّثتُ بعد أن نجح الأخصائي باستخدام تقنية خط الزمن  في كسر خرسي الأبدي :.. معتوه .. اغتصاب .. قيء  .. هو شيزوفريني .. موت .. أربعة في واحد يعيشون ..

الآن أنا هنا أرتب أوراق الخريف وأبحث عن تسلل خارج هذه الغرفة البيضاء. معطوفة على ذاتي كذيل عقرب ، وذات السؤال الغبي يحك رأسي ، هل الحب أن يغتصبك مضطرب نفسيا !؟ وترد الممرضة التي لا تنسى موعد مهدّئي : لا طبعا .

نِـد

11/02/2011

يتكأ على كتفي شيخ من الحنين ، وأرق يتسع لكل الاحتمالات اللاممكنة.  هذا الصمت الموشوم بالظن لا ينبّأ بخير . كل ما في الأمر أني كفرت بفكرة الوطن والقضية . أنعم الآن بهامش المدينة تماماً كمتشرد يعرف أن الطريق بيته.

اشتريت ساعة يدوية ، الكثير منها في الواقع ، وانتظمت في فصول اليوغا لأقتحم أجساداً مفتوحة على فخ التجربة. وجدت أني مصيدة صالحة للاستخدام. هذا الفعل الاعتيادي لأمور ليست اعتيادية محاولة للهرب من شيء ما ، لا أستطيع تحديده إلا حين تناتبني حالة ضحك هستيرية لا سبب لها . أقرب للمجنون ربما ، أقرب للكمال. الحياة، ند. كأي عاشق غير تقليدي يشنق نفسه لأنه لا قيامة في الأفق يمكن أن تحرر البشر من مربط الكهنوت القديم ، لا يكتب رسالة تقول : ” تعالي نتعاتب وكفّينا كحمامتيْن على فم الماء ” ويتناول ٧ مليجرامات من الكالسيوم كي لا يتعفّن جسده الأبيض.

الحياة ، ند . كعباس الذي يطلق قدمه صوب الأشياء رغم أنه لا يثق بالريح . دوماً يحلم بالهجرة إلى اليونان واقتناء تمثال لامرأة عارية . مهمته اليومية بيع السمك بسعر مرتفع للغني ، وبنجمة من آخر الزمن للفقير .
الحياة ، ند. بالمسافة بين الممكن واللاممكن ، بالأغنيات التي نربطها على خصر الصبر ، بالهزائم التي تثني المكسور، بلذة الصعود نحو سحابتك التي تخيلتها يوماً ما وأنت في السابعة .

ورحل سيد البيد

15/01/2011


رحل سيد البيد ، محمد الثبيتي ، متخففا من ركب القوافل. جبلنا نحن العرب على ألا نمجد عظمائنا إلا حينما ينتقل نورهم إلى مكان أجمل . التقيت به أول مرة في مكتبة خالي ، وهي ذات الأفق الذي التقيت فيه بتولستوي وبولدير وابن زيدون والشابي ، على ضفة القوافل والمطر.

هذا التقاطع الانتقائي بين تولستوي والثبيتي كمحركين للصراع في وجه السلطات التي تلبس قناع الدين لم يكن محض صدفة . تولستوي ، كان منقار الغراب الذي دق باب الكنيسة الأرذوثكسية في أوج طغيانها، حينما كتب ” الحرب والسلام ” كتمهيد لثورة أكتوبر. الثبيتي ، خاض صراعا تياريا مشابها في التسعينيات ، الفترة الذهبية للدين المسييس في جزيرة العرب ، غمروه بالمنبر لأنه استخدم لغة لا تتسع لخيال عقول جبلت على قراءة السطر لا ما وراءه .

حزين لأن نهايته كانت رمزاً للمثقف الذي يحيى على الهامش ، في مكان لا يحتفل إلا بسعادة ريس وصاحب مسوح، يمكن أن يضمن له حسابه البنكي رعاية صحية في مستشفيات ألمانيا وأمريكا . لن يهدده أحد بنزع الأجهزة ، ولن تمارس عليه أخطاء طبية متتالية تفلت من يد التحقيق . حزين جداً للثبيتي ، حزين لأنه ذهب وأخذ وحيا من الشعر معه . على روحك الرحمة والسلام يا معن بن زائدة .

هدية مثالية جداً

17/08/2010

خفيف كقلب ولد في الريح! وماجن يتمتم : وجدتني يا شتات الأشياء. عن يميني وجه الرب الحارس ، وهوى طفولي يمسك بيدي ، كضحكة الوليد ، كأول المطر. تخففت من آثار العاهرات اللواتي لطخن جسدي وعدت كالشوارع التي ستعبرينها للمرة الأولى معي. أنا القمر النائم في حنجرتك ، بانتظار مساء يلائم رغبتي المحتدمة للإمطار شوقاً، للتهكم على أفعوانية المسافة والغرق فينا .  يا سكر اللغة في فمي ، أعطيني من هذا العمر عامين ، وتوددي لحماقاتي عامين. لا أعدك بأكثر من معجزات إلهية في إنجاب الكثير من الأمنيات ، والسفر نحوها. ستظنين أنني لن أحولك لملكة ليل وسأفعل ، ستعتقدين أني لن أعاملك كالياسمين ، ولن أهمس لك كخطابي للسناجب ، ولن أقفز في وجه الريح القادمة نحوك لتدفعني إليك ، إلا أنني سأفعل . أنا مدرك تماماً حجم الورطة المقبلة ، وراغب في مبادلة الحديث مع كتفك تحت المساء ، والخوض في تفاصيل فمك ككتابة قصيدة ، وعبادة الإله الذي يولد في جفنيك. هنا ، في المحيط النائم بين صدرك وبطنك ، أريد أن يكون قبري حينما أضع قلبي في قلبك.

ما تقوم به امرأة رائعة بأن تتربص بك حبا ، ويأتي وجهها من الشرق كاجتياح ، كحالة احتياج ، وتجبرك على أن تفكر مليون مرة في عينيها ، لتسخر من ذاتك وتتذكر آخر مرة قلت فيها : إن التعلق بامرأة ، مرض ما !  ثم تنصاع بكل دهشة لجمال هذا الفخ ، ويصبح شغلك الشاغل التورط فيه بأكملك، وتبدأ في تذكر صاحب هذا القلب الغريب ، وتعيد تركيب ملامحه كقطع البزل ، لتشعر مع كل لحظة أن قلبك يعود لبكارته ، ويصير قادراً أكثر على ضخ الدم فيك كأيام طفولتك ، ومنتهاك قبلة أولى تقصم عمر هذا التعب .

مثل هذه الهدايا الرائعة التي لا تتوقعها في الخمسين سنة القادمة تبقى حبيسة الذاكرة، مثل هذه الأشياء توقد الوفاء بداخلك لدرجة لا تجرؤ معها على نسيان قلب كهذا وتتمنى تقبيل قدمي صاحبه ، ولأنه قادم من رحم الدهشة فأنت ملزم في العاجل أوالآجل برد هذا الجميل الأبيض . كسر حاجز الهدايا الكلاسيكية عطر | وردة | رسالة حب إلى أشياء أعمق وأدق أصبح أمر حتمي بالنسبة لي ولا رجعة فيه ولذا أنا أفكر بجدية في التمسك بهذه المرأة التي ربما تستحق ماكينة حلاقة فاخرة جدا لتتذكرني حتى في أدق حالتها أو آلة بيانو وإن لم تجد العزف عليها. هناك من يهدون مدنا وهناك من يهدون بيوتا وهناك من يهدون سيارات ، كلها لا تساوي شيئا أمام هدية مختلفة من نوع مختلف خصوصا إن كانت الهدية قلب من زجاج قابل للكسر وأنت مضطر للمحافظة عليه بشدّة .

في الحانة القديمة

31/07/2010

في الحقيقة كان خبر سرقتي لمصارف كورية إشاعة ، وحتى خبر تفجير نفسي في سوق البصرة القديم إشاعة هو الآخر ، لأحلم قليلاً .. وأمسح الخريف عن فقرات ظهري ، هنا حيث ينام في الأصلاب ألف ولد سيولدون بالخطيئة السمراء ، ويعيشون في المدن القديمة كأبيهم حالمين بزمن على عتبة الجليل . في الوقت الذي سخطت فيه على النوم وتعاتبنا بأنني لم أعد أحلم مؤخراً ، فاجأني بكابوس أحمر ، له رائحة الجبناء ومنطق القبيلة. قبل يوم ، كنت أفتش عن تجمعات الناس. تروقني عجلة البشر المخرومة ، والسحابات التي تتشكل فوق الرؤوس ، أراني هناك ويرونني ، وأتظاهر بأنني لا مرئي ، كائن زجاجي يخدشه حتى الفلين ، يربت على أكتاف العاشقين ويمنحهم وردة ليمضي. في اليوم الذي يليه أنا مسخ!

متعبة هي القلوب التي تجيد التفكير ، لو أن بيدي أن أتحول إلى سنجاب يعيش في حقيبة يدوية. أرابط على الحدود ، حيث تنام قبائل الجن دون أن يزعجها أحد ، أنا وليمون النعناع وعلبة سجائر كُتب عليها : أقلعت حتى الموت. للعينين حزن غريب ، كالمنسي في بلدة ريفية يسمع أخبار وطنه ويحلم بالرجوع ، لا جواز سفر ، لا نقود للتذاكر ، ولا أحلام يمكن أن يتكئ عليها ، يعيش موتاً مؤقتا حتى إشعار قادم بالحياة .

حكايا لا تصلح قبل الحياة

19/05/2010


– امرأة تعشق الرؤوس الصلعاء
تصف الأحجار كل مساء أمام بيتها بطريقة تذكّرك بالأحجار الكبيرة عند الموانئ ، تصرخ دوماً على من يشوّه نظافة الشارع أمام بابها المائل للصفرة. أبناءها في المدن البعيدة يرسلون لها شهريا ما يكفي لحياة بيت من غرفتين ورجل بلا قلب ، يصحو ليأكل وينام ليأكل .
توالت ثلاثة أيام والشارع يتذمّر من قملٍ يشوّه صلعته. سرت فيه رائحة موت طفيفة خنقت عبق المنديل الأصفر الذي كان يزهر في المكان كل مساء. لم يقم الزوج ليأكل ، لم يعد الشارع نظيفا !


– ثوب ملبوس وتسعة معلّقة ، دور من ؟
لا يوجد أصعب ما يعكّر عليك يومك سوى أنك لا تجد وجهة مناسبة ، لا خريطة ولا بوصلة ، إما المقهى وإما الموت. من يمنحني وجهة واحدة للموت ؟
أخبره صديق ذات هم : الموت ثوب والحياة بقعة حبرٍ نديّة !
: صرير كفراتٍ يوقظ نوم الطريق !
خلع ثوبه ، أمسك رأسه ، وضعه بين يديه أعاده ثم قلبه للخلف ، لفّه كبومة ، قال : كان “بوماً ” أسوداً يوم أتيت . لم يفلح أحدهم في غسل بقعة الحبر من الثوب المخلوع ، لبسه ومضى .


– محضر تحقيق
محترم يرتكب الجريمة وسط الناس .
تبعات الجريمة : يهرب بدل أن يهرول ، ويرشقه الناس بالمارق ، ليصمت أثناء التحقيق أكثر من سكوته ثم يموت في السجن بالتهابٍ رئوي. نسوا أن الذي يأكل من الخبز المسروق ليس بالضرورة أن يكون سارق .
الخبر : مات الشعب بالتهابٍ رئوي ليلة البارحة .
ما لم يُنشر في الخبر : كان الشرطي يعطي الشعب تبغاً منتهي الصلاحية .

قلب مفتوح على الكلام

14/05/2010


حينما جئتُ أول مرة ، كأي قادم ، بكيت كثيراً لأني لم أرغب بالخروج لهذا المأزق الذي يدعى حياة، وحدث أن تعلمت الكلام والصلاة والحب ، كأي طفل  متسلق. قال لي : حين تركب هذا البحر ، لن تفكر بالرجوع رغم الحنين. ستبادل وطنك بعاهرة الطريق ، وتشتري الجنون في قناني ، وستقابل رسامين كثر ، لا ترهم وجهك وتمسَك بالأقنعة. لم أعي حديث هذا المنسي على حافة أنثى ، تركَته وحيداً ثلاثون عاماً ليمارس هرطقته ويشتري الأقحوان بالقمح. صرت مثله فينيقي الهوى والريح ، ورأسي دوماً باتجاه البحر . كأن هذا العالم حذاء ضيق لم يتسع لقدمي ، فكيف برأسي ! والمدهش أنكِ تجعلينه أكثر احتمالاً للعيش ، أكثر استيعاباً لأغاني البسطاء.

لو لا الصبح يطلع على وجه الصبية ، لما كنتُ أنا.  تخفّفي على نافذته ، واحكي للعصافير عن موسم الحنين وتائه سكنته مدينة لم يسكنها. هوى أنا ، يهادن اللوعة على جبين الليل ، ويختزل المساحة الفاصلة بيني وبيني إلى فاصلة منقوطة .  رغم الغياب، رغم بكاءات الحبر على أغلفة كتب سنتبادلها ، أنا حضور يحققه مزاجك الإستعماري ، تماماً كالحتمية ، كالوجود في ظل العدم .
كنت قبل الآن أنا ؛  وما بين الخرافة وما يتجاوزها، أرتب حكاية شوقي الوحيدة لسين السكون وألف الأمان. 
في عتمة ذات الغياب ، تستحيل صالة الرقص لدولاب ضيق ، كل عطر هو عطرك ، وأنا أبحث عن شالك الوردي في  أعناق النساء. ربما فاتني أن أخبرك أني رجل بقلب امرأة ! حتى حينما تبادل الشعراء أسراراً عن وطن وامرأة في حفل السفارة الأخير، وحده قلبي كان يصلّي لك 
بين اضطرابي وطربي. وحين نادى الفجر بقصائد من رماد ، وحدي أنا صرت القافية الخرساء – أتدارك بعضي وأهوي- ومنذ هويت ، عرفت كيف أن للسقوط اتجاه 
علوي يفسر اختلال أشياء عديدة ، كالضجر بين نهدي الصبية. كالرغبة في وقت للجاز والسفر الليلي ناحية القرى الباردة.
كحليب اللغة ، كقامات الغضب ساعة الحرب ، شكٌلي هذا الحب الليلي ، واتركي لي ما بقي من تفاصيل الحكاية . سنرقص على الرصيف ، ونركب ذات الدراجة. قد يغازلكِ بائع المجوهرات ويمكن أن أنام مع جارتنا الشقية ، لا عليك ، فقط عنوني الفصول ، واتركي ردفك يعطًر مساء المدينة . سأحبس عمري فيك ، وأكتب رسائل الحب على صندوق البارود كالعهد الأول ، وأنتِ  أمسكي عليك شوقك حتى حين موعد ، حتى الثانية عشرة ، ساعة الماء الأولى.

جنائزية الليل الأخير

03/05/2010

على ما يبدو أن الأشياء بدأت في التخفف من نمطيتها ، حتى حين اصطدم بالباب ، ركل المنفضة وكسر زجاجة عطر !من يهتم وأنت تنام كل ليلة وأرقك الوحيد ذنبك الذي لا تعرف كيف جاء ولا تدري متى سيذهب ؟!
– تدرك أنك مزعج أحيانا

– لكنني أحاول استبقاء ما لي
غزارة هذه الغريرة بداخله تقلقه حتى الموت ، يحلم دوما بالأشياء التي لن يملك – من منا لا يفعل ؟ سكت وانفض الزحام عن وجه زجاجي !
كأنه يتلاشى بعيدا في الأبد ، مؤلم حينما تعبر بك وجوه كثيرة وكأنها لا تعرفك ، لم يبقى منها إلا مابقي فيك ، أما أصحابها فقد تخففوا تماما كالشوارع ساعة الصبح الأولى. صديقي الحقيقي من يتقن مهارة الأقنعة بخفة طائر، وأخرى كنت منسجما معها في اختزال ظلينا دون أن نجتاز حاجز الجسد نخو فخ الروح. كنا كيفما اتفق ندخن ما لم نستطع بيعه في حجرة عليا وننام فينا، منذ ذلك الوقت وأنا أشم رائحتها في عنق كل امرأة تهم بي. تعرفت على وحيد في إحدى الليالي الباردة ، من تلك التي يصبح فيها الرصيف المقابل لملهى سيلتيكا خياري الأول للنوم والتطفل على جيوب السكارى ، لم تكن له ملامح عربية وهذا ما أراحني له ، حذرني أن الشرطة اليوم ستكثف نشاطها بعد الحادية عشرة بحثا عن بقايا عصابة المغاربة في أطراف المدينة ، لم يكن لدي مكان لأذهب إليه فتبعته.
اتهمت في أمستردام بقضية تآمر سياسي ضد سلطات بلدي ، كنت قد تركت البلاد بعد أن وجدت أنها غير صالحة إلا للعيش على الأطلال أو الرجوع للخلف وسط عالم مشحون بالأمام ! جمعت ما يكفي معيشتي ستة أشهر والزواج بعاهرة لأحصل على الجنسية ، أي بلد تسميه بلد وأنت لن تمانع مبادلة اسمه بالتراب ؟
أصعد ، أهبط ، عمارة من طابقين على صدري ، ظننته سيكون أسرع ، عيناه و ” خلقنا مفخخون بالأماني ” صخب جنائزي لا يصمت ! ضحكة فاجرة صدرت منه وصبح لم يطلع علي بدأ..


%d مدونون معجبون بهذه: